أبي هلال العسكري

154

الصناعتين ، الكتابة والشعر

الفصل الثّانى فيما يحتاج الكاتب إلى ارتسامه وامتثاله في مكاتباته ينبغي أن تعلم أنّ الكتابة الجيدة تحتاج إلى أدوات جمّة ، وآلات كثيرة ؛ من معرفة العربية لتصحيح الألفاظ ، وإصابة المعاني ، وإلى الحساب ، وعلم المساحة ، والمعرفة بالأزمنة والشهور والأهلة ، وغير ذلك مما ليس هاهنا موضع ذكره وشرحه ، لأنّا إنما عملنا هذا الكتاب لمن استكمل هذه الآلات كلّها ، وبقي عليه المعرفة بصنعة الكلام ، وهي أصعبها وأشدّها . والشاهد ما روى لنا أبو أحمد عن مبرمان عن المبرّد ، أنه قال : لا أحتاج إلى وصف نفسي لعلم الناس بي ؛ إنه ليس أحد من الخافقين يختلج في نفسه مسألة مشكلة إلا لقيني بها ، وأعدّنى لها ، فأنا عالم ومتعلم وحافظ ودارس ، لا يخفى علىّ مشتبه من الشّعر والنّحو والكلام المنثور والخطب والرسائل ، ولربما احتجت إلى اعتذار من فلتة أو التماس حاجة ، فأجعل المعنى الذي أقصده نصب عيني ، ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد ولا لسان . ولقد بلغني أنّ عبيد اللّه بن سليمان ذكرني بجميل ، فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها ، وأعرض ببعض أموري ؛ فأتعبت نفسي يوما في ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها ، وكنت أحاول الإفصاح عمّا في ضميري ، فينصرف لساني إلى غيره . ولذلك قيل : زيادة المنطق على الأدب خدعة ، وزيادة الأدب على المنطق هجنة . فأوّل ما ينبغي أن تستعمله في كتابتك مكاتبة كلّ فريق منهم على مقدار طبقتهم وقوّتهم في المنطق ، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم . والشاهد عليه أن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما أراد أن يكتب إلى أهل فارس